أخبار وأحداث

رسائل البطريرك

 

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث في يوبيل كنيسة القدِّيس كيرلُّس المئوي الأوَّل القاهرة 10-11 حزيران 2010

نداء إلى الملوك والرؤساء والقادة العرب 2 حزيران 2010

موقف غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث من المجزرة التي حصلت على متن سفية الحريّة 31 أيار 2010

كلمة ترحيب في احتفال يوم الكاهن كنيسة القدِّيس بولس _ حريصا 29/أيَّار/2010

بيان صاحب الغبطة: الاجتماع الثالث لتهيئة السِّينودس لأجل الشرق الأوسط

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثَّالث بمناسبة عيد الذِّكرى الخامسة لحبريَّة قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر في كاتدرائيّة سيِّدة النِّياح دمشق 2/ أيَّار/2010

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث في جنازة المثلَّث الرَّحمات المطران أنطوان حايك رئيس أساقفة مرجعيون سابقًا 4/5/2010

رسالة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثَّالث بمناسبة عيد الفصح المجيد 2010 "التعيِّيدُ معًا"

نداء غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث، دعوة إلى الصلاة والغفران لأجل ضحايا العنف والتعصّب في العراق مسيحيون ومسلمون معاً لأجل نبذ العنف والتعصب، 1 آذار 2010

كلمة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث أمام البابا يوحنا بولس الثاني, في صالة بولس السادس, 12 شباط 2001

كلمة غبطة أبينا البطريرك بمناسبة الصوم الكريم 2010 "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم"

الخطوط العريضة لسينودس الأساقفة، الجمعية الخاصة من أجل الشرق الأوسط الذي صدر في الفاتيكان

مؤيّداً الرؤية الاعتدالية في وثيقة " وقفة حق" البطريرك : الحق الفلسطيني، مسؤولية كل العالم

رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث بمناسبة عام الكاهن 19 حزيران 2009 _ 19 حزيران 2010

مفتتحاً السنة القضائية لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك

معايدة بالفطر السَّعيد

كلمة صاحب الغبطة غريغوريوس الثالث في عام الكاهن الذي أعلنه قداسة البابا بندكتوس الثالث عشر

البطريرك غريغوريوس الثالث في مؤتمر عالمي للحوار: أســاســيات أي حــوار كـلـــمــة الـلـــه

البطريرك غريغوريوس مستقبلاً المهنّئين بعيد الفصح: ننظر إلى المستقبل بتفاؤل وثقة

البطريرك غريغوريوس يندد بالإعتداء على الجيش اللبناني

تهنئة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث بعيد القيامة المجيدة

بولس رسولُ القيامة "لقد قُمتُم مع المسيح" (كولوسّي 1:3) رسالة غبطة البطريرك في الفصح المجيد 2009

"أستودِعُكُم اللَّه وكلمة نعمته"(أعمال الرُّسل 32:20)معاونو بولس من غريغوريوس عبدِ يسوعَ المسيح برحمة الله تعالى
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريّة وأورشليم

موقف كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك من التعرّض اليهودي المشين للسيِّد المسيح وامّه القديسة مريم من قبل القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي 27 شباط 2009

"أنا مصلوبٌ مع المسيح"   (غلاطية 20:2) رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثّالث بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريَّة وأورشليم للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك بمناسبة الصَّوم الأربعيني الكبير المُقدَّس لسنة 2009م

غبطة البطريرك هنآ يونان

غـــزّة والمطــران الرمـــز كبّـوجـــي

غبطة البطريرك يهنئ صاحب الغبطــة مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان الكلي الطوبى بطريرك أنطاكية للسريان الكاثوليك

البطريرك غريغوريوس مستقبلاً سفيرة أستراليا:على العالم أن يفرض دوره لتحقيق السلام في الشرق الأوسط 22 كانون الأول 2008

رسالة الميلاد 2008

البطريرك غريغوريوس الثالث: عيش الانسان لتقاليده كفيل بمحاربة اكبـر مشروع تقسيمــي واذا اغفلت اوروبا السلام فسينتهي العالم من بوابة الصراع الاسلامي- المسيحي

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثّالث في استقبال سيادة العماد ميشال عون بطريركيّة الرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك – دمشق – 5 كانون الأوَّل 2008

خبر عن حجّ مار بولس: 23/9/2008

البطريرك لحّام يستنكر الاعتداء على الجيش اللبناني في طرابلس والعملية الإرهابية في دمشق

رسالة تهنئة بالفطر السعيد

" المسيح فصح جديد " رسالة عيد الفصح المجيد2008

مستنكراً الرسوم المسيئة للنبي محمّد غريغوريوس الثالث:"أحريّة رأيٍ...أم مؤامرة؟" إهانة الإسلام والمسلمين هي إهانة للمسيحيّة والمسيحيين 1 آذار 2008

رسالة ميلاد 2007: الكلمة صار جسدًا

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث في افتتاح المجمع البطريركي لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك الربوة، 24 أيلول 2007

محاضرة غبطة البطريرك بعنوان "السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق"في الربوة يوم الجمعة 18 أيار 2007

رسالة إلى القمّة العربيّة في المملكة العربيّة السّعوديّة 26 آذار 2007

رسالة غبطة البطريرك في عيد القيامة 2007

كلمات الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني إلى اللبنالنيين

الصـــوم درب الصليـــب والقيـامـــة رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث بمناسبة الصوم الأربعيني الكبير شباط 
 السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق العربي

 

محاضرة غبطة البطريرك "الانتماء المسيحي العربي" التي ألقاها في قاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر يوم السبت 22 نيسان 2006 في عُمان

رسالة غبطة البطريرك "سنة الإفخارستيا" 19 أيار 2005

 
 
للحصول على رسالة ميلاد 2001 / 2002 / 2003 /2004 / 2005/2006 ورسالة الفصح المجيد 2006 نرجو الإتصال بنا على عنواننا الإلكتروني gcp@pgc-lb.org  لنرسلها لكم، كذلك بالنسبة لرسالة ومحاضرة غبطته خلال زيارته الرعويّة الأولى إلى الأردن 2005
كما يمكنكم الحصول على الملاحظات العلميّة حول محاضرة البابا بندكتوس السادس عشر "الإيمان والعقل ودور الجامعة" رغنسبورغ
 
 
 

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
في افتتاح المجمع البطريركي لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك
الربوة، 24 أيلول 2007
_______________

                                                                              عودة إلى أول الصفحة

باسم المخلص نفتتح المجمع البطريركي لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك في المقرّ البطريركيّ في الربوة – لبنان، طالبين شفاعة أمنا مريم العذراء والقدّيسة حنّة شفيعة هذه الإكليريكية البطريركية التي أسّسها سلفنا الطيب الذكر المثلث الرحمة البطريرك مكسيموس الخامس.
يُعقد مجمعنا في لبنان، ولكنّه يجمع كنيستنا من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وبلاد الانتشار في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية وأوستراليا ونيوزيلندا.
الروح يجمعنا، محقّقًا فينا وعد السيّد المسيح الذي قال لنا: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم" (متى 19:18)، وهذا ما يجعلنا أبناء الله الآب وأحبّاء كرماء لديه: "لا أدعوكم عبيدًا بل أحبائي!" (يوحنا 15:15)، و"لا أقول لكم إنني أحبكم، لأن الآب يحبكم" (يوحنا 23:17) وأنا أقول لكم: "إنني أحبكم، ولنقلها كل واحد لجاره في هذا المجمع: إنني أحبك!".
جميل أن نجتمع في تناغم حبٍّ ثالوثي رائع، وكأننا معًا سيمفونيةُ آلة موسيقية، تحرّكها ريشة روحية سرية (عيد العنصرة)، لكي نتأمل معًا تدبير الله لكنيستنا، يتحقَّق في الزمان والمكان هذا التدبير الخلاصي الإلهي الذي أتمّه السيّد المسيح في شرقنا المقدّس، فأصبح هذا الشرق كما يقول القديس غريغوريوس النزيزي "ليس احتكارًا للخلاص بل أداة انتقال بُشرى الخلاص إلى العالم أجمع".
المجمع البطريركي هو في تحديده القانوني أن تعمل الكنيسة على تأوين الخلاص في الزمان والمكان. وهذا ما نقرأه في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (القانون 140): "المجمع البطريركي يساعد في التوفيق بين الرسالة وأساليبها... وما يجدُّ من ظروف الزمان".
وهكذا يبدو المجمع البطريركي مراجعة حياةٍ كنسيّة وفحص ضمير، وتجديدًا وخطوط برنامج ورؤيةً وآفاقًا جديدة. وهذا انطلاقًا من واقع الحياة ومتطلباتها لأجل مطابقة رسالة السيد المسيح والكنيسة مع حياة المؤمنين في الكنيسة، ولأجل مطابقة حياة المجتمع مع تعاليم السيد المسيح، لكي يكون فينا كلّنا، رعاة ورعيّة، في سرّنا وجهرنا، في عملنا الرعوي وخدمتنا الأسرارية والتزامنا في المجتمع، لكي يكون فينا، كما يقول القديس بولس: "فكر المسيح (...) ومن الأفكار والأخلاق ما هو في المسيح يسوع" (فيلبي 2) "فلا نتشبّه بأخلاق هذا العالم"، "بل نسبي كل بصيرة إلى معرفة يسوع المسيح".
ولكي يكون عملنا في حقل الرب، وحقل العالم والمجتمع والكنيسة فعّالاً، يجب أن نكون حقًّا كنيسة أي جماعة! كنيسة حيّة وقويّة ومتماسكة. ونحقّق في كنيستنا الرومية الملكية الكاثوليكية المحلية علامات الكنيسة كما حدّدها الآباء القديسون في قانون الإيمان النيقاوي (381): "إنها كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية". (قانون الإيمان).
نلاحظ تسلسل هذه العلامات الأربع: العلامة الأولى هي الوحدة! والكنيسة الواحدة المترابطة الواعية لهويتها ولكيانها ولجوهرها ولمكوِّناتها، هي التي يمكن أن تكون جامعة ورسولية، وتتقدَّس وتكون سبب قداسة وخلاص في العالم. وتكون في هذا العالم حاضرة وشاهدة وخادمة، وحقًا علامةَ رجاءٍ وفداءٍ وباعثةَ آمالٍ، وأداةَ حبٍّ وتضامنٍ وعطاءٍ وحوارٍ، منفتحةً على جميع الناس، في أحوالهم وأوضاعهم وثقافتهم وإيمانهم ومعتقداتهم وحضاراتهم وهمومهم وآلامهم وآمالهم. (المجمع الفاتيكاني الثاني: الكنيسة في عالم اليوم – رقم1 والسينودس لأجل لبنان: رجاء جديد لأجل لبنان).
الوحدة هي غاية مجمعنا البطريركي. لا بل سنعيشها في مجمعنا. لا بل سنعمل على اكتشافها وتفعيلها من خلال المواضيع المعروضة لتأملنا ومن خلال الدراسات المقدمة ومن خلال نقاشاتنا وورشات العمل المتفرعة من اجتماعاتنا العمومية.
تتجلّى هذه الوحدة بنوع خاص من خلال العمل الرعوي وراعويّة الشباب وراعويّة الأسرار. وهذه هي المواضيع التي ستتمحور حولها أعمال مجمعنا البطريركي.
إنَّ الوحدة إذا تحققت في الداخل، في كنيستنا، في أبرشياتنا ورعايانا وأديارنا ومؤسساتنا، من خلال هذه النقاط المذكورة، فإنها ستكون عونًا لنا في خدمتنا الكهنوتية في المجتمع. الوحدة في الداخل، هي أساس الفعالية والعمل في الخارج.
إذا كانت قواعد وثوابت وخطوط عملنا الرعوي، والأسراري ومع الشباب واضحة محدّدة، فسيكون ذلك عاملاً جبارًا في تحقيق إنعاش الحياة الأسرارية وانطلاقة جديدة في رعاية الشباب.
وإذا كانت الأسرار حقًا فاعلة في شعبنا فإنها تؤهِّلُهم للدخول في المجتمع والعمل فيه والتأثير فيه. كما أن العمل الجاد المنظّم مع الشباب على أسس مشتركة في كل أبرشياتنا ورعايانا، هو كفيل أن يجعلهم أعضاء حية في الكنيسة والمجتمع.
إنَّ موضوع مجمعنا البطريركي يبدو للبعض ذا أهمية ضئيلة، أو أنه عمل يتعلّق بحياة الكنيسة في الداخل، عمل كنسي داخلي فقط. في الواقع هذا العمل التنظيمي الداخلي يُعدُّنا كلَّنا رعاةً ورعية للعمل المؤثِّر حقًا في مجتمعنا، ويؤهلنا للقيام بدور كنيستنا المميز على كل الصُعُد، الاجتماعية والمسكونية والكنسيّة وعلى مستوى عالمنا العربي وفي كل مكان.
الأسرار التي نتقبّلها في الكنيسة، والعمل مع الشباب داخل مؤسساتنا الشبابية، لها كلّها في الواقع امتداد في المجتمع.
فالمعمودية هي سر الدخول في حياة الله الواحد والثالوث وفي حياة الجماعة الكنسية، وهي أساس هويتنا المسيحية. الميرون يثبتنا في دعوتنا المسيحية ويشدّد كل أعضائنا لتكون سلاح برّ وقداسة وخدمة.
الإفخارستيا هي الخبز اليومي للخدمة اليومية وللانخراط في المجتمع.
الزواج هو الحياة المسيحية في العائلة. والمكان المميز لتهيئة مؤمنين حقيقيين وأعضاءَ صالحين عاملين في المجتمع.
التوبة هي سرّ المصالحة الدائمة مع ذواتنا ومبادئ انجيلنا المقدّس، ومع الله ومع الكنيسة ومع الأخ ومع المجتمع.
الكهنوت هو سر التقوى العظيم الذي هو جواب لصلاة يسوع: "اسألوا رب الحصاد ليرسل عملة إلى كرمه، لأن الحصاد كثير ويحتاج إلى عمال كثيرين" (متى 37:9).
مسحة المرضى هو سر خدمة الانسان المريض والمحتاج والمهمش والواقع بين اللصوص... إنه سر شفاء الانسان والمجتمع.
جميع هذه الأسرار قوّة جبّارة في الكنيسة وفي المجتمع. ولذا فإن فهمها وفهم رموزها، ومعانيها الروحية العميقة، وإيصال هذه الأمور إلى الشعب من خلال الاحتفال الجميل واللائق والهادف بها، هو عمل مهم جدًا.
فالأسرار هي لأجل الانسان في حياته الشخصية وفي علاقاته الانسانية والاجتماعية. فلا أحد يعيش لنفسه والمسيح نفسه لم يعش لنفسه، كما يقول لنا بولس الرسول (رو 3: 15).
الأسرار تحقق جوهر الانسان كما حدّده خادم الله البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته عن  السلام عام 2005، الرسالة الأخيرة قبل وفاته: "إن جوهر الإنسان أن يكون مع ولأجل".
ولكي نكون مع ولأجل يجب أن نكون! وذلك يعني أن يكون لنا هويتنا وشخصيتنا وقناعاتنا وثوابتنا وتقاليدنا وتراثنا ورؤيتنا وآفاقنا وتطلعاتنا... إنَّ تطوير شخصيّتنا الكنسيّة وهويّتنا أمر ضروري في كنيستنا البطريركية. ولا عجب أن يكون موضوع المؤتمرات البطريركية الثلاثة التي عقدها سلفنا السعيد الذكر البطريرك مكسيموس الخامس قد دار حول هذه الأمور: رسالة الكنيسة وعملها الرعوي التعليمي (الربوة 1983)، كنيستنا تاريخ ورسالة (الربوة 1991)، كنيستنا: التجسد والانثقاف (الربوة 1992).
ولا عجب! فلكي تكون حقًا مع الآخر، وتعمل مع الآخر، وتتفاعل معه، لا بدّ أن تكون أنت أولاً شخصًا، وحاملَ هوية، وشخصيةً مميزة قابلةً للوجود والتفاعل والتعاون والتضامن... فكلّ هذه الأمور تفرض وجود شخصياتٍ متميزة مميزة مؤهلة قادرة على العمل في المجتمع.
أجل علينا أن نكون كنيسة مميّزة متميّزة في الداخل، حتى نكون كذلك في الخارج... مهما كان عددنا، أقلية أو أكثرية، هنا في البلاد العربية أو في بلاد الانتشار، علينا أن نكون متميزين متفوقين وأن نكون خلاقين في مجتمعنا!
أيها الأخوة!
إنَّ المجمع البطريركي الذي نعقده هو عمل عظيم في الداخل وفي الخارج! وهذه هي أبعاد كلّ مجمع بطريركي كما أشرنا في الكلام عن تحديده وتحديد أهدافه في القانون الكنسي (القانون 140). التحدي الأكبر اليوم هو الحفاظ على سرّ الإيمان في ضمير نقيّ (بولس إلى تيطُس) وذلك بخاصة من خلال الأسرار المقدسة التي هي تجلّي حياة يسوع فينا، وفي قلوبنا وضميرنا وقناعاتنا الإيمانية والأخلاقية والمجتمعية...
والتحدي الأكبر اليوم هو وجود الشباب في الكنيسة ومسيرة الإيمان مع شبابنا، ونقل وديعة الإيمان إليهم.
من هنا شعارنا المأثور الذي صار الشباب يعرفونه عن ظهر قلبهم: كنيسة بلا شباب كنيسة بلا مستقبل! وشباب بلا كنيسة شباب بلا مستقبل!
فالشباب مستقبل الكنيسة! لا بل الشباب حاضر الكنيسة! والمستقبل يهيَّأ من خلال الحاضر، من خلال سر اليوم، سر الساعة، سر اللحظة!
ومن خلال هذا المجمع سنعمل على وضع الخطوط الأساسية لدليلٍ خاص بالأسرار ولدليلٍ آخر خاص بالشباب، وبالتالي لدليل خاص بالعمل الراعوي في كل أبرشياتنا. إنَّ السعي إلى توحيد رؤيتنا الأسرارية وممارستنا الأسرارية وعملنا الشبابي في أطر واضحة ورؤية جميلة، هو الهدف الأكبر لمجمعنا البطريركي.
وهذا هو واجب أعضاء المجمع البطريركي الذين يمثلون كنيستنا في العالم، يمثلون رعاياهم ومؤسساتهم... واجبنا أن ننقل هذه الرؤية الموحَّدة إلى كل مكان.
هذا هو واجبنا المشترك، في البلاد العربية وبلاد الانتشار، لأن الشعب واحد والإيمان واحد، وتراثنا واحد وتقاليدنا واحدة هنا وهناك، ودورنا واحد ورسالتنا واحدة ومستقبلنا واحد.
وهكذا من منطلق وحدتنا الراعوية والأسرارية والعمل الموحد مع الشباب، يمكننا أن نغني الآخرين حولنا هنا وهناك، من مختلف الكنائس المسيحيّة، ومن مختلف المذاهب الإسلاميّة ومن مختلف الأديان والمعتقدات
 
الأخرى وأعداءَ الإيمان... كل هؤلاء ينتظرون ثمار وحدتنا وثمار مجمعنا... ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقوم حقًا بدورنا ورسالتنا.
إنَّ مجمعنا البطريركي هو لأجلنا ولأجل العالم: العالم العربي وشعوب عالم الانتشار... إن مجمعنا هو لأجل كل مؤمن وعضوٍ فردٍ روم كاثوليك في كنيستنا الرومية الملكية الكاثوليكية. لا نكرة ولا مكان للنكرة في كنيستنا! كلّنا لنا دعوة مسيحية مقدسة واحدة! ولنا دعوة كنسية ومجتمعية واحدة. وهذا واجب المشاركين في المجمع أن يوصلوا هذا الكلام إلى الآخرين! إنهم هم ناقلو روح المجمع البطريركي وحاملو ثماره إلى الآخرين مثل افخارستيا وقربانة مقدسة.
وهكذا نحقِّق قول السيد المسيح لتلاميذه: "أنتم نور العالم! وهكذا فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 16:5).
وقبل أن أنهي كلمتي أتوجّه بالقلب والعاطفة والدعاء إلى أبناء هذا البلد الحبيب لبنان حيث نعقد مجمعنا البطريركي في أسبوع يبدأ فيه الاستحقاق التاريخي لانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية.
إننا، من هذا المجمع نبعث إلى كل اللبنانيين رئيسًا وحكومة وشعبًا ومسؤولين أطيب التحية. ونقول لهم: "إننا كلنا نحب لبنان!"
إنَّ قضاياه ومشاكله وآماله وتطلعات شعبه هي في قلبنا ودعائنا. وندعو اللبنانيين إلى المحبة والوئام والاتفاق لا بل إلى الاجماع على رئيس ينجح بإجماع اللبنانيين بينما سيفشل كل رئيس يأتي ثمرة انقساماتهم وولاآتهم مهما كانت كفاءاته. ولينتخب رئيس جمهورية يكون رئيس المحبة والوحدة اللبنانية. ومن جديد ندعو الزعماء السياسيين وبخاصة المسيحيين إلى الصلاة ونقول لهم مع الأنشودة: "عودوا إلى الرب إنَّ الملكوت قريب! عودوا إلى الحب فالخارج عنه غريب".
وندعو بهذه المناسبة إلى عودة الوفاق والمودَّة والتواصل بين لبنان وسوريا، لا بل إلى كل البلاد العربية. فإن وحدتها والتواصل الصادق بين شعوبها هو السبيل لتحقيق السلام العادل والدائم والشامل في هذا الشرق المعذَّب. مع العلم أن السلام هو العنصر الأساسي لدور هذه البلاد العربية ولدور كنيستنا ولوقف نزيف الهجرة الذي يهدد مجتمعنا المشرقي.
كما أننا نهنئ بنوع خاص إخوتنا المسلمين في شهرهم الفضيل شهر الصوم والصلاة والصدقة والخلق الحميد. إننا بحاجة إلى كل القوى الروحية في مجتمعنا، لدى المؤمنين المسيحيين والمسلمين، لمقاومة العنف والإرهاب والحرب الأصولية، ولأجل بناء عالم أفضل تسود فيه حضارة المحبة والسلام.
ونرفع الدعاء بعبارات صلواتنا المقدّسة: "أعطنا في هذا المجمع البطريركي أن نسبِّح بفم واحد وقلبٍ واحد اسمك الجدير بكل كرامة والعظيم الجلال".
وليكن هذا المجمع البطريركي الذي نفتتحه الآن، مباركًا باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. آمين.

  غريغوريوس الثالث
  بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم

 

 

 
 

محاضرة غبطة البطريرك بعنوان "السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق"في الربوة يوم الجمعة 18 أيار 2007

                                                                              عودة إلى أول الصفحة
حاضر بطريرك انطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث في المقر البطريركي في الربوة يوم الجمعة 18 ايار 2007، بدعوة من المجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك ومركز "اللقاء" عن "السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق"، في حضور: وزير الدولة لشؤون مجلس النوّاب ميشال فرعون والنائب بيار دكّاش، الوزير السابق سليمان طرابلسي، النائب السابق أنطوان حدّاد، مدير عام أمن الدولة العميد الياس كعيكاتي، عضو لجنة الحوار الإسلامي-المسيحي محمد السمّاك، القاضي عبّاس الحلبي، الأستاذ كميل منسّى، وأمين عام المجلس الأعلى للروم الكاثوليك السفير فؤاد الترك، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس، نقيب المحامين السابق عصام كرم، المعاون البطريركي المطران ميشال أبرص، النائب البطريركي في القدس المطران جورج بكر، رئيس غرفة التجارة والصناعة في زحلة إدمون جريصاتي، وأعضاء المجلس الأعلى للروم الكاثوليك، ولفيف من كبار الضباط والقضاة ورؤساء البلديات وعمداء الجامعات والكهنة والراهبات.
ورأى أن الحضور المسيحي في المنطقة هو أساس العيش المشترك، وهذا الحضور يذوب رويداً رويداً بسبب الهجرة التي تتبع كل حرب أو أزمة، وأكد أن الحفاظ على العيش المشترك لا يتم إلا بإحلال السلام الشامل والعادل والدائم في المنطقة.
واعتبر أن الأزمات والحروب والويلات في الشرق الأوسط هي افرازات ونتائج الصراع العربي- الإسرائيلي، مؤكداً أن الحركات الأصولية على اختلافها، والشقاق والنزاعات داخل العالم العربي، وتباطؤ التطور والإزدهار، ونمو البغض والكراهية وفقدان الأمل والإحباط والقرف لدى الشباب، كلها أيضاً من افرازات هذا الصراع.
ولاحظ أن الوفاق المرجو بين العرب هو وحده الكفيل بإعادة السلام لإقرار العدل في فلسطين وفي الشرق الأوسط، وهذا يفترض موقفاً عربياً موحداً ثابتاً وفاعلاً وصريحاً، حول القضية الفلسطينية، ولأجل حلها يفترض أيضاً موقفاً أميركياً وأوروبياً صريحاً وثابتاً وموحداً.

وشدد على أهمية أن نتمكن من كسب معركة السلم والحرب معاً، معركة صادقة في سبيل العدالة والإستقرار والإنماء، معتبراً أن الوحدة العربية وحدها هي القادرة على فرض حل سلميّ على اسرائيل وعلى أميركا وأوروبا والأمم المتحدة.
ورأى أن لبنان والمنطقة يقفان اليوم أمام منعطف تاريخي خطير جداً ومنذر بويلات لا تحصى، لذا على العرب والإسرائيليين أن يتخذوا كل من جهته العبر الحقيقية من الحرب الحاقدة والمدمرة والدامية على لبنان والتي فاقت ضراوتها باقي الحروب في المنطقة.
واعتبر أن السياسة التي تقوم على ممارسة الضغوط المختلفة على الدول العربية أو سواها، ايران وسوريا... والأحكام القاسية والتنكيل بحماس وحزب الله، أو بالأصولية و المتطرفين الإسلاميين، إنما هو هروب إلى الأمام وسياسة النعامة، والتنصل من تحمل المسؤولية الحقيقية التي تفرض على الجميع التصميم الصريح والسعي الصادق، وراء توافق واتفاق حقيقيين في احلال السلام وتحقيق العدالة في الأراضي المقدسة التي أصبحت على مدى أكثر من نصف قرن، أصل كل الصراعات والحروب في المنطقة والعالم، وقال: " إننا نحن الكنيسة العربية، وكنيسة العرب، وكنيسة الإسلام، نتوجه بعزم وتصميم إلى العرب وإلى الدول الأوروبية والغرب، ونحذر الجميع من مغبّة التسويف إلى ما لا نهاية له، في حل القضية الفلسطينية وكل القضايا العربية".
وحذر دعاة الشرق الأوسط الجديد وقال: لا شرق أوسط جديد في عالم عربي منقسم ! ومن يراهن على تقسيم العالم العربي إلى "جزر طائفية" وكانتونات لكي يولد الشرق الأوسط الجديد، فإنه خاسر لا محالة. إذ لا يمكن أن تكون ديمقراطية في دولة عربية دون الأخرى، ولا مجتمع ديمقراطي دون الآخر.
 
ولفت إلى أن هنا يكمن دور المسيحيين في العالم العربي وفي ميلاد شرق أوسط جديد حقيقي. دور المسيحيين العرب هوأن يعمل على خلق مناخ من الثقة بين الغرب من جهة والعالم العربي والإسلام من جهة أخرى.
وتوجه إلى الغرب بالقول: إذا نجحتم في تقسيم العالم العربي وتقسيم المسلمين فيما بينهم إلى شعوب وفرق، وفي تقسيم المسيحيين والمسلمين فإنكم ستبقون تعيشون في خوف من العالم العربي ومن العالم الإسلامي. وأشار إلى أهمية دور أوروبا المسيحية في خلق الثقة بين الشرق والغرب، وهنا يكمن دور كنيسة روما في مضاعفة الجهود وبذل المساعي لدى دول الغرب لتحقيق الهدف الواحد المشترك وهو احلال السلام.
كما توجه إلى المسلمين بالقول:" نريد أن نعيش معاً ونكمل مسيرة الأجيال السابقة، ولا نريد أن نكون "ذميين" محميين ... بل نريد أن نكون مواطنين مثلهم، لنا ولهم نفس الحقوق والواجبات. ونريد أن نبني معهم أوطاننا ونسهم في مستقبل أفضل. هكذا كان دور المسيحيين في التاريخ. فلا نطلب حماية من إخوتنا المواطنين المسلمين، بل مساواة وتكافوءاً في فرص العمل والمهنة. نريد عيشاً مشتركاً وتعايشاً بكل ما تحويه هذه العبارات من محبة وثقة واحترام وإكرام ومسؤوليات مشتركة، وتضامن ومسيرة مشتركة وعطاء وتضحيات في سبيل أوطاننا. ونريد أن نشعر بهذا المناخ في كل بلادنا العربية بدون استثناء. فالمسيحي مواطن عربي في كل بلد عربي، أكان عديد المسيحيين قليلاً أو كثيراً، أكانوا فقراء أو أغنياء... لهم حق المواطنة الكاملة وفي كل قطر من الأقطار العربية وبدون استثناء. ولهم حق الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم الدينية، وبناء كنائسهم لتتعانق مع مساجد إخوتهم المسلمين".
وذكر بنداء البطاركة الشرقيين الكاثوليك الذي كان تحت عنوان الكنيسة وأرض الوطن، والذي جدد العزم على العمل مع المؤسسات الكنسية والحكومات وأصحاب القرار محلياً وإقليمياً ودولياً، ومع ذوي الإرادات الحسنة، والقادرين المتمولين، من أجل ايجاد المبادرات الكفيلة بتوفير
الإستقرار السياسي والإقتصادي والأمني والإجتماعي، مؤكداً الحرص على تفعيل دور المسيحيين في بلدانهم في مختلف مجالات الحياة العامة، خصوصاً وأن للمسيحيين في هذا الشرق دوراً هو بمثابة حلقة وصل بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، فلا يجوز أن يتقلص هذا الدور اسهاماً في إحلال السلام في المنطقة والعالم.
وأكد أن العيش المشترك هو مستقبل هذه البلاد. وهذه مقولة تصحُّ للمسيحيين والمسلمين. ويعني قبول الآخر كما هو واحترامه واكرامه. الاعتراف بمواطنته وكلِّ الحقوق المتحدِّرة عن هذه المواطنية. وهي حقوق الانسان كلِّ إنسان على هذه البسيطة وفي هذا الشرق، لافتاً إلى أن المسيحيين هم عنصر هام في هذا العيش المشترك. لأنه لا عيش مشترك بدون تعدُّدية، مضمونها أن المجتمع يضم المسيحي بجميع فئاته وطوائفه والمسلم بكلِّ فئاته وطوائفه والدرزي أيضًا واليهودي.
وقال أن هذا العيش المشترك مهدّد بسبب الهجرة التي سببُها الأشد خطورة، هي الحروب والأزمات والتي أصلها كما قلنا كامن في الصراع الإسرائيلي ـ العربي والظلمِ الحاصل بسببه. ومن إفرازاته التطرّف والتزمّت والأصولية والعنف والإرهاب ومشاعر العداء والكراهية في المجتمع، وعدم المساواة في الحقوق وفرصِ العمل، والمشاركةِ في وظائف الدولة وإداراتها، في المجالس النيابية وفي الوزارات والمناصب والخدمات الأخرى، مشيراً إلى أن هذه الهجرة إذا بقيت على وتيرتها واستمر نزيفها، فهذا يعني تفريغ الشرق من تعدديته المسيحية. ويعني انهيار مقولة العيش المشترك. فالمسيحي لا يمكنه أن يصمد أمام مسلسل النكبات والأزمات والحروب والصراعات، مشدداً على أن ما يساعد المسيحي على الصمود أمام هذه المصاعب وعدم الهجرة، هو القناعة الإيمانية أن بقاءه في البلاد العربية حيث ولدت المسيحية، وحيث زرعه الله مسيحيًا، هو بذاته رسالة ودعوة، وهذه الدعوة محتواها أن الكنيسة المسيحية، ولنقل هنا بخاصة الأنطاكية، هي، كما أردّده دائمًا، كنيسة عربية بجذورها وقوميتها. والأهم من ذلك أنها كنيسة العرب وكنيسة الإسلام. إنها كنيسة عمانوئيل: الله معنا ولأجلنا. وهي بدورها كنيسة مع ولأجل الآخر. وهذا
الآخر هو المواطن المسلم، في المجتمع العربي ذي الأغلبية المسلمة. المسيحيون مسؤولون أن يحملوا رسالة الانجيل وبشراه وقيمه في هذا المجتمع، لكي تكون الكنيسة حاضرة وشاهدة وخادمة في هذا المجتمع ومشاركة فيه ومتفاعلة معه.
ورأى أن المناخ الملائم لكل هذه العناصر السابق ذكرها، وهي التعددية والعيش المشترك ومع ما ذكر حولهما، المناخ الملائم هو السلام في المنطقة. السلام العادل والشامل والثابت الكفيل بانهاء الصراع الإسرائيلي ـ العربي.
ولاحظ أنه إذا كانت البلاد العربية وإذا كان المواطنون المسلمون حريصين على التعددية، وعلى العيش المشترك، ويُهمِّهم أن يبقى المسيحيون في المنطقة، فلا بدَّ من أن يتمتّع المسيحيون بالمواطنة الكاملة وبجميع الحقوق المترتِّبة عليها. ولا بدّ للدول العربية من أن تجمع كلمتها وتوحّدها لكي تفرض حلاً حضاريًا سلميًا عادلاً للقضية الفلسطينية، مؤكداً إنه إذا لم يتم الأمر، وفي مستقبل قريب منظور، فنزيف الهجرة سيستمر، وستزيد الحركات الأصولية والإسلامية، ويزيد العنف والإرهاب ويقع الشباب المسلم فريسة سائغة في حبائلها. ومعنى ذلك أنّنا سنخلّف لأجيالنا العربية الشابة الطالعة إرثًا مظلمًا، ومستقبلاً قاتمًا. وسيفقد المجتمع العربي الإسلامي مقوِّمات التعددية والعيش المشترك. وستتحقَّق نبوءة صراع الحضارات والثقافات والأديان.
وختم بالقول: "السلام هو اليوم التحدّي الأكبر! والجهاد الأكبر والخير الأكبر! والنصر الحقيقي والضمانة الحقيقية لمستقبل الحرية والكرامة والتقدم والازدهار والأمن والأمان لأجيالنا الطالعة، ولشبابنا، مسيحيين ومسلمين، وهم مستقبل أوطاننا وصانعو تاريخها وحاملو لواء الإيمان والأخلاق فيها".
الرّبوة، في 18/5/2007
 
 

رسالة إلى القمّة العربيّة في المملكة العربيّة السّعوديّة

                                                             عودة إلى أول الصفحة

 بروتوكول رقم 179/2007د    دمشق، في 26/3/2007

لكم يا أصحاب الجلالة والسّيادة والسّموّ أطيب التّحيّة مع المحبّة والدعاء بحفظكم وتوفيقكم.
يسرّني ويشرّفني أن أتوجّه إليكم بصفتي بطريركًا للرّوم الملكيّين الكاثوليك المتواجدين في بلادنا العربيّة المباركة، وأؤكّدَ لكم انتمائي ومحبّتي ومحبّة أبناء كنيستنا وانتماءهم الأصيل إلى أوطانهم العربيّة.
تصلكم رسالتي هذه في أثناء انعقاد قمّتكم العربيّة في ظروف صعبة تجتازها منطقتنا، لا بل مازالت ترافق مسيرة بلادنا منذ عقود، فيما أصبحت المعاناةُ بسببها خبزنَا اليوميّ المرّ. وأحبّ أن أعبِّر لكم عن شوقنا كلّنا إلى إحلال السّلام العادل والثّابت والشّامل في المنطقة. لا بل نعتبر أنّنا كمواطنين مسيحيّين نعيش جنبًا إلى جنب مع إخوتنا المواطنين المسلمين منذ 1400 سنة، ونريد أن نبقي على عيشنا هذا المشترك معًا نبني الأوطان؛ لكنَّنا اليوم بتنا نشعر بأنَّ وجودنا هذا بات مهدّدًا بالهجرة المتزايدة المتصاعدة بسبب انعدام الحلّ العادل للقضيّة الفلسطينيّة وتعثره المستمر وهي التي نعتبرها قضيّتنا كلّنا قضيّتنا المركز. وهذه هي خبرتي بنوع خاصّ لأنّني خدمت في القدس ستًّا وعشرين سنة (1974 – 2000).
إنَّ عدم إيجاد الحلّ العادل لهذه القضيّة سيُهدد مستقبل الشّباب الذين بسببها يعيشون في أجواء من الكراهيّة والعداء والبغض، وسيجرُّ هذا المزيد من الويلات والنّكبات والأزمات في بلادنا ويعيق مسيرة التّقدّم والازدهار والحداثة والتّحديث والحريّة والكرامة والعيش المشترك بين طوائفنا مسيحيّة وإسلاميّة على تعدّدها، وبين الأجيال كلّها.
إنّكم قادرون، متّحدين متضامنين متحابّين، أن تفرضوا الحلّ العادل والشّامل والكامل والحضاريّ للقضيّة الفلسطينيّة وتقفوا ضدّ استبعاده.وهذا ما نرجو أن تحقّقه قمّتكم المباركة.
لأجل تحقيق هذا الهدف السّامي النّبيل نرفع الصّلوات الحارّة في كنائسنا وأديارنا وصوامعنا إلى الله العليّ الرّحمن الرّحيم جلَّ جلاله، لكي يوفّقكم ويسدِّد خطواتكم إلى ما فيه مجده تعالى وخير أجيالنا الطّالعة ومستقبل بلداننا العربيّة المباركة.

مع تجديد عواطف الدّعاء والمحبّة وسامي التّقدير والاحترام

البطريرك غريغوريوس الثّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريّة والقدّس الشّريف



كلمات الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني إلى اللبنالنيين

                                                         Back to the top

قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لبنان حبًا مميزًا. وواكب الحرب اللبنانية "الكبرى" وكان إلى جانب اللبنانيين. وعقد مجمعًا فريدًا لأجل لبنان. مع أن المجامع تُعقد عادة لأجل قارّة أو مجموعة بلاد. ونادرًا لأجل بلد وبخاصة بحجم لبنان. وعقد المجمع في روما لإبراز أهميته. وشارك فيه بالإضافة إلى اللبنانيين من كل الطوائف، غير اللبنانيين وأبدوا آراءَهم. وعلى الأثر وكنتيجة لهذا المجمع أصدر قداسته الوثيقة الشهيرة "رجاء لأجل لبنان". وأصبحت مبادئها على ألسنة الجميع واستشهد بها الجميع، مسيحيون ومسلمون وسنة وشيعة ودروز ومن كل الأحزاب...
وأصبحت وكأنها شرعة لبنان الحديثة والحديث! وكأنها "طائف" آخر...
ثم زار لبنان تلك الزيارة التاريخية والتقى به مباشرة حوالي نصف اللبنانيين والتقى بكل قادته الدينيين والروحيين ورموزه وأحزابه وخاطبهم خطاب المحبة. وأطلق على لبنان شعارًا قديمًا وجديدًا وفريدًا ونبيلاً: "لبنان رسالة"!
وهذه بعض المقاطع من الوثيقة:
"إن حوارًا حقيقيًا بين مؤمني الأديان التوحيدية الكبرى يرتكز على الاحترام المتبادل... وهذه المهمة المشتركة ملحّة بشكل خاص، للبنانيّين المدعوين بشجاعة إلى مسامحة بعضهم البعض، واخماد خلافاتهم وعداوتهم، وتبديل ذهنياتهم، حتى ينمو التآخي، والتضامن في إعادة بناء مجتمع مؤهل باطراد للعيش المشترك".
"ليس الحوار الإسلامي – المسيحي حوارًا بين مثقفين فقط، فهو يهدف، أولاً إلى تشجيع العيش معًا بين مسيحيّين ومسلمين، في روح من الانفتاح والتعاون لا بدَّ منه، ليتمكّن كل منهم من الشعور بالرضى باعتماده في حرية الخيارات التي يُمليها عليه ضميره القويم. ومتى تعلّم اللبنانيّون أن يتعارفوا جيدًا ويرضوا رضى كاملاً بالتعدّدية، وفّروا لنفوسهم الشروط الضرورية لإقامة الحوار الحقيقي، واحترام الأشخاص والعيال والجماعات الروحيّة."
"بودّي أن أشدّد بالنسبة إلى مسيحيّي لبنان، على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنيّة مع العالم العربي وتوطيدها. وأدعوهم إلى اعتبار انضوائهم إلى الثقافة العربية، التي أسهموا فيها اسهامًا كبيرًا، موقعًا مميّزًا، لكي يُقيموا هم وسائر مسيحيّي البلدان العربية، حوارًا صادقًا وعميقًا مع المسلمين."
"واللبنانيون كسائر الشعوب، لأنهم يحبّون أرضهم حبًا خاصًا، هم مدعوّون إلى الاهتمام ببلدهم، والمحافظة دونما كلل على الأخوّة، وبناءِ نظام سياسي واجتماعي عادل ومنصف، يحترم الأشخاص وجميع الاتجاهات التي يتألف منها البلد، ليبنوا معًا بيتهم المشترك."
"وهذا يفترض تجاوزَ السلوك الأناني باستمرار، للعيش في تجرّد قد يذهب إلى حدّ انكار الذات، بغية قيادة الشعب بكامله إلى السعادة بحس إدارة الشأن العام."
"إنَّ حياة الأخوة والتضامن، داخلَ المجتمع الوطني، تفترض ألا يتصوّر أحدٌ أن موقعه الخاص يحتمل أن يسوغ له البحث عن امتيازات له أو لطائفته، بإبعاد الآخرين، وهي تقوم على التأكيد أن لكلِّ أحد شرعًا، دوره في الحياة الاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والنقابيّة، في الأمانة لتقاليده الروحيّة والثقافيّة، طالما لا يتعارض ذلك والصالح العام ولا يهدّد الحياة الوطنيّة."
"حينئذن يتمكّن لبنان، الجبلُ السعيدُ الذي رأى شروق نورِ الأمم، وأمير السلام، من أن يُزهر كليًا من جديد، ويلبي دعوته بأن يكون نورًا لشعوب المنطقة وعلامة للسلام الآتي من الله."

من منطلق رسالتنا الروحية نحبُّ أن نذكر أحباءَنا اللبنانيين وكلّهم أحباؤنا واخوتنا في هذا الوطن الرسالة؛ نحب أن نذكرهم ببعض مقاطع رسالة قداسته الأخيرة في يوم السلام العالمي في مطلع عام 2005 وعنوانها: "لا تنغلب للشر! بل إغْلِب الشر بالخير."
"وإذا بحثنا عن مركباته العميقة نرى أن الشر في نهاية المطاف هو التملص المأسوي من مقتضيات المحبة".
"أيمكن الشخص أن يحقق ذاته كليًا بالتجرد عن طبيعته الاجتماعية أي عن كونه "مع" و"من أجل" الآخرين؟"
"في ختام سنة اليوبيل الكبير لعام 2000 وفي الرسالة الرسولية "الألف الجديد الذي بدأ" ألمحت إلى ضرورة موهبة المحبة لنشر إنجيل الرجاء في العالم".
"لا يمكن الرجال والنساء من ذوي الإرادة الطيبة أن يتقاعسوا عن واجب محاربة الشر بالخير. إنها معركة تستخدم سلاح المحبة".
نورد هذه المقتطفات علّها تحرك قلوب أحبائنا اللبنانيين وبخاصة المسؤولين والزعماء، وعلّها تصل إلى آذان من هو وراء هذه الظروف المأسوية والمآسي والضحايا... إنها صرخة قداسته وصرخة ضميرنا وقلبنا وهي تعبِّر عن موقفنا تجاه ما يجري في لبنان.
هلاّ سمع اللبنانيون هذه الكلمات فتنطبق عليهم طوبى يسوع لسامعيه: "طوبى لآذانكم لأنها تسمع وطوبى لعيونكم لأنها تبصر" وماذا عساه يقول رحمه الله لو تابع أخبار لبنان في هذه الأشهر الأخيرة وسمع الخطابات والاتهامات والتخوينات والعبارات والشتائم والأوصاف التي نسمعها في هذه الأيام؟ الشتيمة تنعكس على صاحبها. فَمَا ينجّس الانسان هو الذي يخرج منه. إن أبسط قواعد الأخلاق السياسية هو احترام الذات وإن احترام الآخر هو من احترام الذات. فكيف يسمّي البعض أنفسهم قادة وهم لا يحترمون ذواتهم ويتفوهون بما يهين الآخر. فصفة القائد الأساسية استيعاب الآخرين.
إننا لن نكفَّ ندعو الجميع لجعل عنوان وثيقة المجمع لأجل لبنان شعار اللبنانيين كلها "رجاء لأجل لبنان" ولتكن كلمة قداسته الشعار الآخر: "لبنان رسالة!"
هاتان الكلمتان هما الفصل في الظروف الراهنة. ونأمل أن تؤلفا الميثاق اللبناني في العام 2007! إنّه ميثاق مزدوج: رجاء لأجل لبنان، ولبنان الرسالة فليكن هذا الكيثاق النور الذي يضيئ النفق الذي يتردَّى فيه لبنان.

لا فشل! ولا يأس! ولا طريق مسدود! ولا حواجز من "بلاستيك"! لا شيئ من ذلك أمام الإنسان المؤمن بالله وبالإنسان وبقيم الإيمان التي هي وحدها الكفيلة أن تسدِّد طريق اللبنانيين وجميع اللبنانيين لأجل مستقبل أفضل لهم جميعًا.

نحن في زمن الصوم المبارك. وقد أصدرتُ رسالة بهذه المناسبة عنوانها: الصوم درب الصليب والقيامة.
نأمل أن يصل اللبنانيون كلهم ومعًا إلى حلّ يكون لبنانيًا. ويحقِّق ما قاله السيد المسيح واصفًا رسالته المقدسة: "إنما أتيت لكي تكون لهم الحياة، وتكون لهم أفضل".

وهكذا نسير معًا بالرغم من المآسي وعبر الصليب إلى أفراح القيامة.

الرّبوة، في 19/2/2006

غريغوريوس الثالث
      بطريرك
 


بروتوكول 20/2007د       دمشق، في 2/2/2007

الصـــوم درب الصليـــب والقيـامـــة
رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
بمناسبة الصوم الأربعيني الكبير
شباط 2007

                                                         عودة إلى أول الصفحة

من جديد تدعونا الكنيسة إلى مسيرة الصوم الكبير المبارك من خلال صلواتها المقدّسة التي ترافق مرحلة الصوم عبر الآحاد الأربعة التي تسبق بدء الصوم الكبير، وكل يوم من أيام الصوم.
بهذه المناسبة نتوجّه بهذه الرسالة الروحيّة إلى إخوتنا الأساقفة الأحبّاء والكهنة والرهبان والراهبات وعموم المؤمنين في كلِّ أبرشيّاتنا، في البلاد العربيّة وبلاد الانتشار بهذه الاعتبارات الروحيّة.

مسيرة فصحيّة
الصوم مرحلة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعيد الفصح وبقيامة السيِّد المسيح. والصوم الكبير هو صوم فصحي لأنّه استعداد مباشر للفصح المجيد. ولذا دعوته في عنوان هذه الرسالة كونه درب الصليب والقيامة. ولا يخلو يوم من أيّام الصوم إلا وقد تذكّرنا فيه الكنيسة من خلال الأناشيد والصلوات بآلام السيِّد المسيح وبالقيامة. هكذا نقرأ في أناشيد الاثنين (المدعو اثنين الراهب) الأوّل مطلع الصوم: "لنبتدئ بالإمساك متلألئين بأشعّة أوامر المسيح، بضياء المحبّة وبرق الصلاة وطهارة العفاف وقوَّة الشجاعة، لكي نبلغ مضيئين بنور عدم الفساد إلى قيامة السيِّد المسيح المقدّسة الثلاثية الأيّام المبهجة المسكونة". ونقرأ في اليوم التالي: "... لكي نعيِّد عيدًا روحيًا لقيامة المخلّص من الأموات". ونقرأ يوم الأربعاء: "هلّم نذلِّل أهواء الأفكار بالصيام... حتّى إذا جزنا عاصفة العدو بخفّة استحققنا أن نسجد للصليب المذبوح عليه ابن الله طوعًا من أجل العالم. وعيّدنا روحيًا لقيامة المخلّص". ونقرأ يوم الجمعة: "أهّلنا نحن الشاكرين الصائمين أن ننظر قيامتك". ويوم الأحد الأوّل من الصوم نصلّي هكذا: "أهلّنا يا مخلّص بالصيام لأن نحظى بقيامتك". وفي مطلع الأسبوع الثاني نصلّي: "حتى إذا أكملنا السعي نبلغ جميعًا إلى  يوم القيامة السيِّديّ بفرح" (الاثنين مساءً). ونصلّي أيضًا "حتى إذا بلغنا آلام المسيح بإرضاء حسن". وأيضًا "أعطنا أن نشاهد جميعًا آلامك الكاملة الوقار" (الأربعاء من الأسبوع الثاني).

مسيرة الآلام
وتزداد الإشارات إلى الآلام الخلاصية والقيامة المقدّسة، مع الأحد الثالث من الصوم وفيه الاحتفال بالسجود للصليب المكرَّم. " أهِّلنا أن نعاين عود صليبك ونسبِّح آلامك. وندرك بطهارة قيامتك المقدسة". (الخميس من الأسبوع الثالث). لا بلّ نذكِّر الصلوات المؤمنين بتفاصيل الآلام وبآيات التعذيب: الحربة والمسامير والمجالد والقصبة والسياط والبصاق... وهي أدوات تخليصنا وتقديسنا وفدائنا. وتتكرَّر الدعوات إلى المشاركة المسيح في آلامه واحتمال الآلام لكي نصلب مع المسيح ونموت معه فنعيش معه. وتترافق الدعوة إلى الآلام بالدعوة إلى الفرح والابتهاج والتوبة والدموع وطلب الغفران والمسامحة بالزلاّت... وبالطبع تتوارد أيضًا الدعوات إلى الصوم والصدقة والمحبّة وممارسة الفضيلة والطهارة والنقاء.
ويبدو الصيام هكذا محورَ كلِّ مرافق الحياة المسيحية، وهذيذَ المسيحي المؤمن، وموضوعَ صلاته وشكره وتسبيحه، ومحطَّ عواطفه وغايةَ أشواقه. لا بل هو الفردوس السعيد المفقود، والنعيم والسرور، والسعادة الكاملة ويعجز القلم عن سرد الألقاب والأوصاف والنعوت التي يطلقها آباؤنا القديّسون وناظمو الأناشيد على الصيام الكبير المبارك.

التخصُّص لله
إنّ الصيام الوقت الذي فيه "كل أحد يتخصَّص لله" (الثلاثاء الخامس من الصوم) أعني يتفرّغ بكلِّيته لله، بحيث ينال من خلال رياضات الصوم المختلفة درجة وشهادة هي "التخصّص لله". ويمكننا أن نعتبر الممارسات والوصايا والتوجيهات والتحريضات التي تتردّد في صلوات الصوم المبارك، أنهّا الدروس العملية التي تؤهلنا لننال هذه الشهادة (الدبلوم) التي نحملها طيلة حياتنا: إننّا متخصّصون لله! متخصّصون في عبادة الله وإكرامه وتسبيحه وشكره والالتصاق به. هذا التخصّص يقودنا إلى الإبداع في الحياة المسيحية، وإلى الترقّي والتسامي والنموّ المطّرد في الفضيلة. وهذا هو الطريق إلى القداسة التي يُدعى إليه كل مسيحي ابتداءً من يوم معموديّته ومرورًا بكل الأسرار المقدّسة التي يتقبلّها طيلة حياته.
من هذا المنطلق نضع أمام اخوتنا وأبنائنا وبنات كنيستنا الروميّة الكاثوليكية هذه القواعد الخاصة بالصيام المقدّس. ونفضِّل أن نضع النظام الكنسي التقليدي تاركين لكلِّ من إخوتنا  المطارنة الأجلاّء أن يضع التعليمات الإضافية الخاصة بأبرشيّته.
قانون الصوم والقطاعة
أيام الصوم هي أيّام الأربعاء والجمعة من أسبوع مرفع الجبن. وأيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة من أسابيع الصوم والأسبوع العظيم المقدّس. ما عدا اليوم الذي يقع فيه عيد البشارة (25 آذار).
سبت النور. وهو السبت الوحيد الذي يجب الصوم فيه. بينما يمنع الصوم في السبوت الأخرى لارتباط السبت بأحد القيامة.
أيام القطاعة تشمل الصوم الأربعيني بكامله بما فيه الآحاد. بالاضافة إلى الأسبوع العظيم المقدس. ما عدا عيد البشارة وأحد الشعانين حيث يسمح بأكل السمك.

معنى الصوم والقطاعة
الصوم هو الامتناع عن كل مأكل ومشرب، من نصف الليل وحتى الغروب. وهكذا يتناول الصائم وجبة واحدة في اليوم وعمومًا بعد صلاة الغروب أو بعد رتبة الأقداس السابق تقديسها.
الصوم الإفخارستي أو القرباني. الصوم بهذا المعنى مرتبط بالاحتفال بالليترجيّا الإلهية وبتناول القربان المقدس. حسب التقليد القديم على المتقدِّم إلى المناولة أن يكون صائمًا عن كل مأكل ومشرب. فالمناولة تنهي الصوم (وتكسر الصوم)، أكان ذلك خارج أياّم الصوم أو في ايام الصوم الكبير. وفي هذه الحالة ينهي الصائم نهاره وصومه بالاحتفال بليترجيّا الأقداس السابق تقديسها، وهي رتبة الغروب مع مناولة احتفالية. وينتهي صوم بارامون الميلاد والغطاس أو الظهور الإلهي بليترجية القديس باسيليوس الكبير تسبقها رتبة صلاة الغروب. وينتهي صوم الأيّام الثلاثة الأخيرة في الأسبوع العظيم المقدس بالمناولة الفصحية صبيحة أحد الفصح.
القطاعة هي الامتناع عن اللحم ومرق اللحم، وعن البياض، أعني البيض والجبن والألبان والزبدة... أما السمك فيسمح به في أيّام معينة. وكذلك الزيت والخمر يسمح بهما في أيّام معيّنة.

حكمة الأصوام
يعتبر الآباء القدّيسون الصيام الأربعيني الكبير كتأدية العشر لله (في الواقع 40 وهو تقريبًا عُشر السنة 365 يومًا). والوصيّة تقول:" أَوْفِ البركة " أي العشر. يضاف إليه صوم الميلاد والرسل والسيِّدة. وتتوزّع هذه الأصوام الأساسية الأربعة على فصول السنة الأربعة لتقدّس السنة كلّها: صوم الميلاد للخريف. الصوم الأربعيني للشتاء. صوم الرسل للربيع وصوم السيِّدة للصيف.
وهكذا فإنَّ المسيحيّ المؤمن المواظب على الأصوام المختلفة، يبقى على اتصال دائم بالرياضات الروحيّة والممارسات التقشفيّة، وفي يقظة روحية لعمل الروح فيه. ويحافظ بذلك على "لياقة" النفس والجسد في آن واحد.
كثيرون يقصدون الأطبّاء والعلماء لكي يحصلوا على المعلومات الوافية للمحافظة على صحتهم الجسدية. وكم تكون دهشة الكثيرين إذا علموا أنَّ حكمة الكنيسة في توزيع الأصوام تتوافق مع التوجيهات الطبية، لا بل تفوقها لأنها تهدف إلى صحّة النفس والجسد. وهكذا يتمّ قول السيِّد المسيح المعلّم الأكبر: "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذا كلّه يزاد لكم". ويقول: "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكلِّ كلمة تخرج من فم الله". وهذا كان جواب يسوع للمجرّب في البرية. ويقول بولس شارحًا معنى الصوم الحقيقي: "إن أكلتم أو شربتم أو مهما عملتم فاعملوا كل شيء لمجد الله". ويقول أيضًا: "مجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم أيضًا".

البرنامج المناسب
أيها الأخوة والأخوات الأحباء!
لقد وضعنا أمام الجميع "البرنامج" الروحي والقانوني أو الطقسي. وكما قلتُ فإنَّ سينودساتنا المقدّسة قد تركت لكلِّ مطران أن يصدر التوجيهات المناسبة لأبرشيته في مطلع الصيام.
الحدَّ الأدنى هو الصوم عن الأكل والشرب في اليوم الأوّل من الصوم المدعوّ اثنين الراهب، من نصف الليل وحتى الساعة الثانية عشرة ظهرًا. ومن ثمّ الصوم  في الأيام الثلاثة الأخيرة من الأسبوع العظيم المقدّس، أعني خميس الأسرار والجمعة العظيمة وسبت النور.
أمّا بالنسبة للقطاعة فهو الامتناع عن اللحم والبياض أيّام الأربعاء والجمعة طيلة أسابيع الصوم والأسبوع العظيم المقدّس كلّه.
لكننا نعلم أنَّ الكثيرين من المؤمنين الأتقياء يريدون أن يصوموا حسب التقليد القديم. فإنّنا من جهتنا نشجِّعهم وندعو الجميع إلى التقيّد بهذا التقليد القديم. ولكي نسهِّل الأمر على الجميع فإنّنا نقترح أن يضع كل فرد وأن تضع كل أسرة نظامًا خاصًا للصوم ينسجم مع توجيهات المطران من جهة ومع الحدّ الأدنى، ويتناسب مع أوضاع كل فرد وكل عائلة.

الصوم والحياة الروحيّة
ونحرِّض الجميع على الصوم والممارسات التقوية والصلوات، والصدقة والمحبة والإحسان والإماتة وبروحانية هذه الرسالة: "الصوم درب الصليب والقيامة".
ومع أناشيد الصوم المبارك نحرِّضهم بكل حرارة لكي يقدِّسوا هذه الأيام المقدّسة. "لقد انفتح الآن باب التوبة الإلهية. فلندخل فيه بنشاط مطهّرين أجسادنا. ممسكين عن الأطعمة والشهوات كتلاميذ المسيح. الداعي العالم إلى ملكوت السماوات. ولنقدِّم لملك الجميع عُشر السنة كلّها (أي الأربعين يومًا من الصوم). لكي ننظر قيامة المسيح المجيدة بشوق".
"لنستقبل الصيام بسرور فهو بدء الجهاد الروحي. ولنطرح شهوات الجسد. ونضاعف مواهب الروح... يا نفسي عبثًا تفرحين بالصيام. إذا صمتِ عن المأكل ولم تتطّهري من الشهوات. لأنه إذا لم يكن الصيام سببًا لتحسين السيرة، يمقتك الله كالكاذبة".

وتُبرز صلواتنا الشقّ الاجتماعي في الصوم، حيث نقرأ: "مع صومنا أيها الإخوة جسديًا، لنصم ايضًا روحيًا. ونحلَّ كلَّ صكِّ جائر، ونعطِ الجياع خبزًا ولنضِف المساكين الذين لا مأوى لهم لكي ننال من المسيح الرحمة العظمى".

برنامج متكامل
هذا هو البرنامج الروحي والجسدي والعبادي والاجتماعي والنفسي الذي يقدّمه لنا زمن الصوم، كما نكتشفه من خلال صلوات هذه الأيام المقدسة. بحيث نستعد للاحتفال بذكرى آلام المسيح باحتمال آلامنا وبأعمالنا الصالحة ومحبّة الغريب وبحياة الصلاة في الكنيسة مع الجماعة وفي بيوتنا، وفي اجتماعات مختلف النشاطات الراعوية التي تتكثَّف أيام الصوم. وهكذا نستعد للقيامة بأعمال الحياة الروحيّة بأعمال القيامة، وهي أعمال الفضيلة.
وأخيرًا أذكر عادة لا تزال قائمة في أديار المتوحّدين وفي بعض الرعايا، ويا حبّذا لو تعود إلى رعايانا أو إلى الأديار. ذلك أنه أثناء صلاة الغروب يوم أحد مرفع الجبن الذي يسبق الاثنين مطلع الصوم ويسمى هذا الأحد "أحد الغفران"، يطلب الحضور الغفران والسماح بعضهم من البعض فيتصافحون ويستغفرون بعضهم من البعض ويرنمون معًا نشيد القيامة: المسيح قام...

بهذه العواطف نتمنّى لكم جميعًا أيها الأحباء صومًا مقدسًا يكون دربًا إلى أفراح القيامة.

مع تكرار المحبة والبركة والدعاء

         غريغوريوس الثالث

            بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم